الشيخ محمد مهدي الآصفي
19
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
والأنا ) ، فيملأ عليه كل حواسه ومشاعره ، فلا ترى في المطاف أفراداً يتحركون ، وإنّما ترى كتلة بشرية واحدة من الناس تطوف حول البيت العتيق . ولو أنّ الحاج الذي تجرد في الميقات لم يكن يصبّ في المطاف في بحر الجماعة المؤمنة لكان يضيع ويفقد مقومات وجوده وشخصيته ، كما يضيع الوجوديون اتباع جان بول سارتر ، عندما يتجردون عن هوياتهم وماهياتهم التي خلقها الله تعالى عليها « 1 » ، ولكنّه لا يكاد يتجرّد من الأنا ومعالمه وحدوده حتى يستلمه البحر البشري الكبير في المطاف ، كما تصب سواقي الماء في النهر الكبير ، ويعود في المطاف إلى لون جديد من الحياة ، وإلى حياة جديدة لم يألفها من قبل بهذه القوة والفاعلية ، ولم يتذوقها بهذه الصورة ؛ يموت فيه الأنا ، ويبعث الله في نفسه الإحساس بالجماعة ، وينتقل إلى طور جديد من الحياة ، أهم خصائصه غياب الفردية وحضور الله تعالى في حياته ، وسط بحر متلاطم من الناس .
--> ( 1 ) مع فارق جوهري بين طريقة تفكير ( جان بول سارتر ) معلم الوجودية المعاصرة ( اكزيستانياليسم ) وبين المنهج الإلهي في إعداد الإنسان للقاء الله . إنّ المنهج الإلهي في إعداد الإنسان لا ينفي أنّ هذه الخصال الفردية والاجتماعية والقيم واللّاقيم الموجودة عند الإنسان كله من خلق الله ، ومغروسة في الفطرة . . . يقول تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ الأنبياء : 37 ، إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً المعارج : 19 - 20 ، وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا الكهف : 54 ، خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً النساء : 28 . إنّ الحياء مغروس في الفطرة ، في خلق الله ، وليس من إضافات الأعراف الاجتماعية ، كما أنّ الشهوات مغروسات في الفطرة ، في مرحلة الخلق ، وأنّ النزعات الفردية ( الأنا ، والحسد ، والطمع ، والإثرة ، والجدل ، والرياء ، وحب المال والموقع . . . ) من خلق الله ، في عمق الفطرة ، كما أنّ الخصال والنزعات الاجتماعية من خلق الله ( الإيثار ، والرحمة ، والعاطفة ، والإنصاف ، وحب الآخرين . . . ) . بينما يرى سارتر والمار كسية أنّ هذه الخصال والنزعات الفردية وكذلك الاجتماعية من إضافات الحياة الاجتماعية ، ويولد الإنسان ولا يحمل في نفسه خصلة من هذه الخصال الفردية والاجتماعية ، وإنما يضيفه إليه الوسط الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان ، ويأخذه الإنسان منه . والإسلام ينفي هذه الكلية ، من غير أن ينفي دور الوسط الاجتماعي والتربية في تحكيم هذه الخصال . والفارق الآخر بين النهج الإلهي في إعداد الإنسان للقاء الله ، والمناهج البشرية الوجودية والماركسية ( وهما متقاربان في هذه النقطة بالذات ) ؛ إنّ المنهج الإلهي يدعو إلى تحديد وتعديل هذه الخصال والنوازع الفردية ، ولا يدعو إلى إلغائها ، بينما لا نعرف للوجودية والماركسية منهجاً تربوياً لتعديل هذه النوازع في نفس الإنسان . وهذا الموضوع يحتاج إلى بسط ، ليس موضعه هنا .